لا يكون كما نشتهي

الأربعاء,أيار 07, 2008


 

 

 

 

 

إهداء: إلى الأصدقاء غير الأعزاء

 

لم يكن من شجن منذ تفتحنا على حياة لم نخترها، غير ما نراه.

 

كل ليل لا ينتهي.. يطول كما رحلة غير مرئية الحواشي. وكل بداية هي عهد ألم جديد نراه يمر من وراء غباش ذاكرة متخمة بجثث من مضوا.

 

سيحين الوقت الذي لن نعوّل عليه كثيرا.. ربما حلّ.. ربما سيحل!!

 

الأيام هبة زائدة عن الحاجة. والدقائق قنابل موقوتة ضد النسيان، ونحن ضحايا مفترضون لآثامنا التي لم ننتبه إلى اقترافها.

 

سنعيد ترتيب الأسابيع والشهور الماضية: أين التقينا؟ وأين اختلفنا؟

 

أين عقدنا العهود؟ وأين نكثنا؟

 

سنحتاج خريطة للطريق. خريطة غير مبهمة البنود والحواشي على غرار خرائطنا السياسية.

 

سنصمم خريطة للطريق. ملوّنة كما نهار نيساني تصطاف فيه الفراشات.

 

أولا، سوف نبدأ بالغائبين الذين احتشدت بهم صناديق الذاكرة. سوف نستبعدهم كلهم دفعة واحدة. سوف نؤجل حزننا على الذين مضوا إلى الموت بغُصّات سريعة التجلط، أو بأشواق عدو.. أو برصاص صديق.

 

لا بأس أن ننسى وجه "أطوار" المزَيَّن بثقوب "الدّرل" وهم يقفلون عليها كفنها الجلدي، وسأقول لنفسي أنها ما تزال محتارة في الثوب الذي ترتديه في زفافها الذي من الممكن أن يكون على الأبواب.

 

أما "رعد" الباكي الذي أتم عامه الأول في الرحيل، فلن أذكره مبتلى بأربعين رصاصة صديقة، سأذكره دائما مثلما ودعته للمرة الأخيرة في "الكرادة"، يلوك لهجته التونسية "الدخيلة"، ويركض من أمامنا لكي لا يضطر إلى التلويح لنا مودعا، ونحن مكفّنون بحافلة الغياب.

 

سوف أنسى جلطة خالد مبارك بعد يوم واحد من "زعلي" معه.. وأنسى "غصة" مؤنس "المدهشة" بعد توسطه لإعادتي سالما إلى عملي. وسهرتنا الصباحية مع أحمد المصلح قبل ساعات من نومه الطويل.

 

سأنسى بلال.. وأقول أنه لم يمت؛ بل ما يزال ينتظر قدوم طفله الأول. وأنسى رأس عمر المتفجر بالرصاص الاختياري من سلاحه الخاص. وعبدالله الذي ضحك.. فمات.

 

سأنسى موت مأمون "الكوميدي" كذلك، وأذكره هازئا من جنود "المارينز" داخل معسكرهم، وساخرا من تبجحهم بمقدرتهم حمل ذلك الوزن الثقيل على أكتفاهم أينما ذهبوا.

 

سنصمم خريطة للطريق الطويل الذي قطعناه، وليس ذلك الذي لا ندري ما فيه حتى الآن!

 

كذلك، سوف نستبعد الغائبين بإرادتهم أو بإرادتنا. سوف ننسى الذين طعنونا، وننسى الذين خنّاهم. ننسى من تشبثنا بهم ومضوا.. ومن تعلقوا بنا وخذلناهم.

 

ننسى من ذهبوا إلى مطارات كثيرة، بلا تذاكر عودة، ومن استقلوا قطارات بلا محطات وقوف. وننسى كذلك من دفعناهم نحو الرحيل بجبننا وبلادتنا.. سوف ننساهم جميعهم دفعة واحدة.

 

إنها خريطة طريق للتخلص من جثث راحلين.. وصور غائبين، وشبه غائبين احتشدت بهم "ألبومات" ذاكرة هَرِمة.

 

ياه! كم أذكر الآن "جعفر و"ضيوفـ(هـ) ثقال الظل".. لم أفهم وقتها أنه كان في حاجة إلى خريطة طريق تعيد ترتيب المشهد أمامه. كان يحتاج إلى أن يتخلص من صور احتشدت به، وتعلق بها حد الغُصّة.

 

أفهمه الآن من غير وعي كثير.. أفهمه من دون أن أختار فهمه.

 

سنعيش بلا ذاكرة طويلة المسافات. ذاكرة نهارية سوف تكفي كي نجتاز حياة بائسة.

 

نحتاج خريطة طريق.. ليست لكسب شيء: لا نريد حدودا أو مياها إقليمية، لا موانئ أو مطارات.. وإنما نريد التخلص من كل شيء.. والتنازل عنه طواعية، وبكثير من الألم.

 

ولا بأس كذلك من التخفف ممن وثقوا بنا، وبقوا.. سنتخفف منهم.. ومنا.

 

كل ذاكرة ونحن بخير.

 

صحيفة الغد 4/5/2008    

 

Mwaffaq001@yahoo.com