على امتداد سني العمر، اختبرنا اللهفة والإخلاص والحلم.. ثم شهدنا سقوطه المتكرر.
كنا نفيق على أغنيات لم نعد نذكر منها شيئا في صباحاتنا الراهنة.
شبابيكنا كانت تفضي إلى حياة من لحم ودم.. وأرواح أدمنّاها، ورحنا نكتب لها رسائلنا الليلية بلا خجل من أعين الرقباء.
كنا يسارا، وأدركنا حينها أن اليسار يعني أن تكون أنت، أو أن تكون قاب قوسين أو أقل منك.
رحّلنا أشواقنا مع "هوشي منه".. ورددنا مع "إمام" و"نجم" أغنيات المد السبعينية. كنا نحفظ بـ "التلقي" ما يجود به القادمون من أشرطة تسجيل "مهربة" عبر أكثر من حدود.
قرأنا "مظفر" من الدمعة إلى الدمعة، ووقفنا معه على الحدود متسربلا بظلام لم يزل يلفّنا. شاركناه جميع أمنياته بالسنوات المتلاحقة، تلك الأمنيات التي أخذها الطوفان غير عابئ بالصراخ الطويل للشاعر!.
كنا نحن. وكان الزمن برغم جفاوته واضح اللون والاتجاه.
كان "غيفارا" بسيجاره الكوبي ينام في أحلامنا.
ياه.. كم بكينا على "العيا" الطويل لـ "كاسترو".. فكيف صفقنا طويلا لـ "راؤول" الذي أرادها نهاية تراجيدية لذاكرة "خليج الخنازير".
يا الله! كم ابتعدنا بالزمان وبالمكان!!
لم نعد نذكر من ذلك اليسار سوى قاعدة الإتيكيت الخاصة بالجلوس مع المرأة!
لم نعد كما كنا!
تلونا بما يكفي لتغيير لون مياه المحيط.
سالت فوق شفاهنا مرارات الهزائم، وتذوقنا انكساراتنا واحدا تلو الآخر.
إلى أين تقودنا الفجيعة؟
الخطب العصماء التي ألقيناها ذات صباح في جمع غفير، انتهت إلى تآكل الورق، ولم يُبْقِِ الدود الأكول من حروف سوى كلمات مبهمة، تشي بزمن قاس من البلادة.
المظاهرة التي خرجنا بها ذات ظهيرة، حادت عن طريق الجماهير، وتحولت هتافات تأييد لشجرة التين العجوز.
أغنيات مارسيل أصبحت مبهمة. لم نعد ندري ما المقصود بـ "هيفاء" التي "جَلَدَنا" بها ليل نهار. لم نعد نشمّ رائحة الطابون من "أحنّ إلى خبز أمي"، ولا هديل البهار المحوج عندما يعرج على قهوتها الصباحية. اعتدنا البن الجاهز الذي يأتي إلينا مغلفا من وراء البحار.
يا الله كم من المدن احترقت، ونحن ما نزال نتغنى بسفن عربية صارت رمادا على مضيق "طارق".
"طروادة" ما تزال غافلة. و"المدائن" تنتظر غيمتها السوداء. ونحن نتقلب على نعمة من ربنا، من دون أن نستفيق على اقتراب "الطوفان".
لم نعد كما كنا.
كانت الصباحات غير الصباحات. والأيام غير الأيام.
كان الشتاء شتاء، والربيع يمر كما موكب امبراطوري، بلا خجل من استعراض نفسه على أعين الأشهاد.
لم نعد كما كنا!!
مرّ قرن الهزائم مجموعة من (قرون) عديدة.
مرّ فينا بلا ألم يذكر.
يا الله!!
كيف استطعنا أن نحافظ على كامل قيافتنا في وجه متناقضات داهمتنا من دون أن نساهم فيها ولو بهتاف واحد!!
صحيفة الغد الأردنية 8 أيار 2008
كتبها موفق ملكاوي في 11:18 مساءً ::
تحياتي
صديقاتي وأصدقائي جميعا
نص مسرحيتي الأخيرة ( عندما بكت الجمال)
وأغلفة كتبي المسرحية
آخر ما لدي في المدونة
للاطلاع أتمنى فتح رابط مدونتي
http://atefamal.maktoobblog.com/
مودة وورد
عاطف الفراية
الاسم: موفق ملكاوي
