لا يكون كما نشتهي

الإثنين,أيار 12, 2008


 

امرأة وحيدة، ورجل يشعر بالضياع، ينضمان معا في رحلة استكشافية لما فعلته الحرب، ويحلمان بما ينبغي ان يكون عليه لبنان.

فيلم "تحت القصف" الذي جاء بتوقيع فيليب عرقتنجي، والذي انطلقت عروضه في(سينما سيتي) الأسبوع الماضي، جاء شاهدا على فترة مهمة من تاريخ لبنان الحديث، وهي فترة حرب تموز العام2006، ليس لأنه حاول تلمس معطيات الأزمة على الارض اللبنانية وخارجها، وإنما ايضا كون الفيلم حاول ارشفة الجريمة البشعة التي صبغت الارض اللبنانية بالدم والدمار.

قد نختلف على بعض الرسائل المخفية أحيانا، والمعلنة احيانا اخرى، والتي حملها الفيلم، وقد نتناقش طويلا حول صحة مضمونها على ارض الواقع، غير أنه لا بد من الاتفاق على ان الفيلم استطاع ان يقدم صورة ناضجة حول فداحة الحرب، تلك القوة العمياء التي لن يكون احد في مأمن من ويلاتها متى انطلقت شرارتها الاولى.

يحكي الفيلم قصة المرأة الثلاثينية زينة التي ادت دورها الممثلة ندى ابو فرحات، تصل الى لبنان بعد انتهاء الحرب مباشرة، من اجل البحث عن ابنها الضائع في الجنوب اللبناني الذي مزقته الصواريخ والقذائف الاسرائيلية، ويتصادف ان يرافقها طوني سائق سيارة اجرة الذي يؤدي دوره جورج خباز.

وما بين زينة المسلمة الشيعية، وطوني المسيحي اللحدي تتوالد الاسئلة حول المصير المشترك للبنانيين جميعهم، من خلال رسائل، صبت بمعظمها في تحميل المقاومة اللبنانية، او المقاومة الشيعية كما أسماها الفيلم، المسؤولية نفسها التي تتحملها إسرائيل.

ان تلك النظرة التي تحاول الايهام بأن منطلق الفيلم انما هو انساني صرف في بحثه عن السلام الفردي والجمعي، تقتضي منا تمحيصا دقيقا لفحواها الحقيقية، فلا يمكن بأي حال من الاحوال ان يتساوى الجلاد والضحية، كما لا يمكن ان يقاس قتلى يعدون على اصابع اليدين، بآلاف سقط معظمهم وهم نائمون!!

ولعل الرسالة التي ترتفع درجة خطورتها الى اللون الاحمر، هي تلك النظرة التي يحاول الفيلم تسويقها عن جيش لحد وسقوطه في فخ العمالة للعدو ابان الحرب الاهلية اللبنانية، اذ تصر رسائل الفيلم على جعل هذه الفئة مظلومة هي الاخرى، وان خياراتها في البقاء انحسرت جميعها، ولم يعد امامها من طريق آخر لتلافي الفناء سوى باللجوء الى حضن العدو.

سوف نتحفظ على عدد من محمولات الفيلم، خصوصا تلك التي تتعلق بمحمولات طائفية، لا يمكن تمييزها بسهولة، الا من خلال الصور، ومتابعة ما قبل الحدث الى ما بعده، إضافة إلى تحليل مضمون الصور التي بينت المقاومة بشكل همجي في أكثر من مشهد، خصوصا عند انتشال الجثث من المقابر الجماعية ليصار إلى إعادة دفنها من جديد، والهتافات التي انطلقت من كوادر المقاومة في تمجيد الشخص أو القائد.

سنتحفظ على كل ذلك، ونؤكد أن الفيلم استطاع وبامتياز ان ينقل الينا مدى بشاعة الحرب وفداحتها، كما استطاع المخرج ان يكسبنا الى صفه في رفض الحرب المولدة للويلايات والخراب والدمار.

ولكن السؤال المهم، والذي طرحه من قبل الزميل رسمي محاسنة:

هل نحن ضد الحرب بعامة؟!

هل يتوجب علينا ان نكون دعاة سلام في الوقت الذي تقضم فيه ارضنا، وتقتل شعوبنا؟!

ثمة بون شاسع بين حرب نختارها، وأخرى تفرض علينا صباح مساء.

سنكون دعاة سلام عندما تتوافر لنا شروط الاختيار، والى ذلك الحين سيبقى الموت اليومي مفروضا علينا.

 

صحيفة "الغد" الأردنية 13 أيار 2008

 

mwaffaq001@yahoo.com