لا يكون كما نشتهي

الأربعاء,أيار 28, 2008


 

 

تقف جولي ايروين أمام جناح التحف والعاديات في "بازار الباعونية" على دوار باريس في اللويبدة. المعروضات تصيبها بالدهشة. تهتف بانبهار: "إنه الشرق!".

البازار الذي تقيمه كل يوم جمعة جمعية أصدقاء اللويبدة، يهدف إلى إعادة الاعتبار إلى واحد من الجبال العمانية العريقة، بعد أن أثر الامتداد نحو غرب المدينة على ما كان يعرف بمركز الحياة الارستقراطية في العاصمة.

جولي الآتية من الولايات المتحدة الأميركية، وصديقها المكسيكي خوانخو، لا يعرفان الشيء الكثير عن بدايات تشكل عمان، ولا عن امتداداتها. تعجبهم المدينة بجميع جهاتها، غير أن البازار كان فرصة لهما للاطلاع بتوسع على العديد من البضائع التي  لا تعرض سوى في أماكن معينة.

"أحب هذا الزجاج الملون. إنه يجلب الحظ السعيد"، تقول وهي تعرض بعض مشترياتها من الأحجار الكريمة.

البازار يشتمل على العديد من الأجنحة التي تصب جميعها في مصلحة إطلاق اسم "السوق التراثي" على تجمع حرفيين وأصحاب صناعات يدوية؛ جناح العاديات والانتيك، الأعمال اليدوية، المطبخ البيتي العماني، الأطفال، وغيرها.

"جبل اللويبدة موسوم منذ زمان بعيد بأنه مجمع للفنون والتراث والعراقة"، تقول رئيسة جمعية أصدقاء اللويبدة حياة الناصر، وهي تعطي تعليماتها الأخيرة لفرق المتطوعين بعد عمل يوم شاق وطويل.

الناصر ترى في البازار "تجمعا ثقافيا، وليس تجاريا"، ففكرة البازار، برأيها، أشمل من فكرة "العرض والطلب، والخضوع لاشتراطات السوق". وهو ما تقول أنه يعزز مكانة اللويبدة كحافظة للتراث، وكمكان للفنون.

لم يتوقف البازار عند مسألة عرض المنتوجات اليدوية، بل تعداها نحو إعادة الاعتبار إلى تقاليد تراثية قديمة، كالرسم بالحناء، وهو الطقس الذي مرّ عليه سنوات طويلة في طور سبات، ما أهّله في فترة من الفترات إلى أن يكون مهددا بالانقراض سوى من بعض المناسبات الجماعية، كالأعراس.

ففي واحد من أركان المعرض، وقفت صبية عشرينية ترسم بالحناء على أجساد الصبايا والشباب رسوما جميلة.

سلمى زكريا ليست بعيدة عن مجال الفنون، فهي ابنة للفنانة التشكيلية المعروفة نعمت الناصر، وقد اختارت الحناء للمشاركة في البازار، لما يطرحه من موضوع التمسك بالتراث، ومحاولة بعثه من جديد.

الإقبال كان كبيرا، ولم يقتصر على الفتيات فقط.

حياة الناصر ترى أن الدور الوظيفي الذي يطمح البازار إلى تحقيقه، هو "إشراك ربات البيوت اللواتي لا يجدن مكانا لعرض منتجاتهن اليدوية في هذه الفعاليات".

وتصر على أن النجاح لا يتأتى من إشتراك التجار والمحال التجارية، فهولاء لديهم أماكنهم الخاصة بالعرض"."

وتراهن الناصر على أن "فكرة البازار سوف تنجح، وسوف يتعزز بالتنقل بين مكان وآخر، تعميما لفكرته الثقافية".

اختيار المشاركين في البازار لم يكن بالعمل السهل، كما تقول الناصر: "زرنا العديد من المعارض، وأخبرناهم عن نيتنا إقامة هذا البازار. وهكذا سجل لدينا مشاركون".

ويأمل البازار في تخطي عثرات ربما اعترضت بدايته، لذلك قامت صبية من اللجنة المنظمة بتنظيم استطلاع لرأي المشاركين حول البازار.

تالا ملحس وجهت أسئلة محددة حول مدى أهمية يوم الجمعة لتنظيم البازار، ومدى أهمية إقامته في شهر رمضان، والرضى عن أسلوب التنظيم، والخدمات المقدمة للمشاركين، فضلا عن إجراءات الأمن المتبعة.

وتقول تالا "استطعنا بذلك أن نؤشر على عدد من السلبيات التي يمكننا تلافيها في المرات المقبلة".

وتضيف "من أجل استمرارية البازار، لا بد أن نؤسس قاعدة صلبة من البيانات التي ستمكننا بالتالي من تخطي جميع العثرات".

بائعو البازار سعيدون بفكرة الالتقاء تحت سقف واحد. وتغريهم فكرة العرض على دوار عام، بحيث يستقبلون العائلة مجتمعة بدلا من فرد واحد فيها.

أحمد العقيلي الذي يبيع العقود والأساور المرصعة بالأحجار الكريمة، والآتي من منطقة جرش، يقول أنه يجلب بضاعته من الصين والهند وداغستان.

العقيلي يؤكد أنه لا يضع هامشا كبيرا للربح خلال مشاركته في هذا البازار. "أنا امتلك محلات كبيرة لهذه التجارة، وفي الأصل لا أبيع إلا بالجملة".

ويعتبر العقيلي أن مشاركته فرصة لإطلاع التجار على ما لديه من بضائع، وبالتالي إبرام بعض عقود العمل المهمة.

أما هراتش انطون سيميليان، فيقول أنه يقضي نصف وقته في اللويبدة، وأن مشاركته في البازار "ليست من أجل الربح المالي"، وإنما من أجل "إنجاح هذا التجمع الثقافي التراثي".

المشارك الشاب محمد زهير حامد القادم من منطقة وسط البلد، سعيد جدا بفكرة إقامة السوق.

محمد ليس تاجراً بالمعنى الحرفي، فهو يهوى جمع التحف العاديات والنحاسيات والعملات المعدنية والورقية.

البازار منحه فرصة عرض مقتنياته للبيع امام الجمهور. يقول ان الساعات الاولى من افتتاح البازار لم تشهد اقبالاً كبيراً من الجمهور بسبب الارتفاع في درجات الحرارة، غير ان الوضع اختلف تماماً خلال ساعات المساء والليل.

ويبدي محمد سعادته الكبيرة باستقباله عدداً كبيراً من السياح الاجانب الذين استمتعوا بمشاهدة معروضاته من التحف والعاديات "قدروا بضاعتي كثيراً، ومنهم من اشترى بعض الاشياء للذكرى".

ويقترح محمد ان ينتقل السوق من على الدوار، نحو شارع الباعونية المحاذي "حينها سوف يتمكن الجميع من عرض بضاعتهم بالتساوي".

لعل فكرة نقل البازار لا تروق لكثيرين يعتبرون الشارع مخفياً عن الانظار، بعكس الدوار الذي يبدو فيه السوق واضحاً للعيان.

رضا حسن الجلاد مشارك آخر في البازار، ويعتبره "مهماً". ويؤكد ان الخطوة جاءت متأخرة "في العديد من الدول الاوروبية تقام مثل هذه الاسواق منذ عشرات الأعوام".

الامر الذي يلاحظه الجلاد هو "نقص الدعاية والاعلان للسوق". ويقول: "لو توفرت الدعاية الملائمة لوفدت جماهير أكبر".

وتعترف حياة الناصر بهذا الامر، مبينة ان المنظمين سيحاولون تخطي هذا العائق في المرات المقبلة من خلال تنظيم حملات دعائية واعلامية كبيرة.

اقامة البازار واستمراريته ومحاولة انجاحه يقوم عليها فريق متكامل من المتطوعين الذين لم يراهنوا على المكسب المالي.

عماد جبر مثلاً متطوع في مجال الانارة والتمديدات الكهربائية، وهو يقوم بتوصيل الانارة الى جميع اقسام البازار. اما فراس ابو عيسى فقد اخذ على عاتقه استقبال زوار البازار، و"تضييفهم" القهوة السادة مجاناً.

منهجية العمل التطوعي يلفت اليها مدير البازار عبدالفتاح ملحس، وهو متطوع آخر في فريق يضم العشرات "نقدم جهدنا ووقتنا من اجل انجاح البازار".

ويعتبر ان الهمّ الاول هو "الوصول الى ربات البيوت اللواتي لديهن ما يقدمنه للجمهور"، مبيناً ان عرض البضاعة وتقديمها للجمهور عمل يتقنه منظمو البازار.

ويقول "نتقاضى رسوماً زهيدة لا تتجاوز 15 ديناراً على الطاولة الواحدة"، غير انه يؤكد استعداد البازار تقديم الطاولة مجاناً الى بعض ربات البيوت اللواتي لا تتوفر لديهن إمكانية دفع هذه الرسوم.

 

اسم الباعونية لم يطلق جزافا على البازار، بل جاء تكريسا لأفقه الثقافي. فالباعونية هي أديبة وعالمة بالنحو والعروض وفقيهة وخطاطة، اسمها عائشة بنت بنت يوسف بن أحمد بن ناصر.

ولدت في قرية باعون في شمال الأردن، وتربت على العلم والأدب، بواسطة نخبة من مشايخ عصرها.

خلفت العديد من المؤلفات؛ "البديعية"، "الملامح الشريفة في الآثار اللطيفة"، "فيض الفضل"، إضافة إلى ديوان شعر في المدائح النبوية، وغيرها من المؤلفات.

تعد من الشعراء العثمانيين، وقد اثبت اسمها في موسوعة الشعر العربي في المجمع الثقافي في أبو ظبي.

الباعونية التي توفيت العام 1516، بلغت في الشعر مرحلة متقدمة، وقد عدها نقاد من الشعراء والأدباء المحدثين، وزادوا في قيمتها الأدبية عن قيمة الخنساء بين الجاهليين.

 

صحيفة "الغد" الأردنية 27 أيار 2008