لا يكون كما نشتهي

السبت,كانون الثاني 05, 2008


 

دوريس ليسينغ

ترجمة: موفق ملكاوي

 

في الوقت الذي شهدنا فيه الموت الظاهري للشيوعية، فإن طرائق التفكير التي كانت ولدت تحت الشيوعية، أو تعززت بالشيوعية ما تزال تحكم حياتنا، فتلك الطرائق ليست واضحة تماما كتراث الشيوعية كصواب سياسي.

النقطة الأولى هي اللغة. ولا نأتي بجديد إذا قلنا أن الشيوعية حطّت من قدر اللغة وفكر اللغة.

هناك مفردة تخصصية شيوعية سهلة التمييز بعد الجملة الوحيدة. قلة من الناس في أوروبا الذين لم يتداولوا النكات حول الخطوات الخرسانية والتناقضات وتداخل النقائض، وغيرها.

المرة الأولى التي رأيت فيها بأنّ شعارات تحجيم العقل لديها القوة لتملك جناحا تطير به بعيدا عن اصولها، كانت في الخمسينيات، عندما قرأت مقالة في التايمز اللندنية ورأيت تلك الشعارات قيد الاستعمال: "العينة التي جاءت السبت الماضي كانت برهانا غير قابل للدحض على أن الحالة الخرسانية...".

 الكلمات انحصرت إلى اليسار كما لو أن حيوانات محبوسة عبرت خلالها نحو الاستخدام العام والأفكار. أحدنا قد يقرأ جميع المقالات في الصحف المحافظة والتحرّرية التي كانت ماركسية، لكن الكتّاب لم يعرفوا ذلك، ولكن هناك سمة لهذا التراث، والتي ليس من السهل تمييزها.

حتى قبل خمس أو ست سنوات، كانت الإزفستا والبرافدا وآلاف الصحف الشيوعية الأخرى، تكتب بلغة بدت وكأنها مصممة لملء أكبر قدر من الفراغ، وبالطبع، من دون أن تقول أيّ شئ، لأنه، بالتأكيد، من الخطر اتخاذ موقف يتوجب الدفاع عنه.

الآن جميع هذه الصحف أعادت اكتشاف اللغة، ولكن تراث اللغة الميتة والفارغة هذه الأيام يوجد في الحقل الأكاديمي، وخصوصا في بعض مناطق علم الاجتماع وعلم النفس.

لي صديق شاب من اليمن الشمالي، ادّخر كلّ ماله من أجل أن يتمكن من السفر إلى بريطانيا لدراسة ذلك الفرع من علم الاجتماع، ليتعلم كيفية نشر الخبرة الغربية إلى أبناء بلده الجاهلين. طلبت رؤية مواد دراسته، فأراني مجلدا سميكا، كتب بشكل سيئ وبمفردات تخصصية فارغة وقبيحة، وكان من الصعوبة متابعة قراءتها. كان هناك عدة مئات من الصفحات، كان يمكن بسهولة وضع أفكارها في عشر صفحات فقط. نعم، أعلم أن الإرباك الأكاديمي لم يبدأ مع الشيوعية - كما أخبرنا سويفت - لكن الخِبرة غير العمليّة‏ وإسهاب الشيوعية امتلكا جذورا في الحياة الأكاديمية الألمانية، ليصبحا الآن نوعا من العفن الفطري الذي يدمّر العالم بأكمله.

إن أحدى تناقضات وقتنا هو أن تلك الأفكار القادرة على تحويل مجتمعاتنا، والمليئة بالتبصر حول كيفية تصرف  الحيوان الإنساني واعتقاده، تقدم لنا في غالبية الأحيان بواسطة لغة غير صالحة للقراءة.

إنّ النقطة الثانية مرتبطة بالأولى؛ الأفكار القويّة التي تؤثّر على سلوكنا تكون مرئية فقط من خلال جمل مختصرة. جميع الكتاب يتعرضون لهذا النمط من الأسئلة: "هل تعتقد بأن على الكاتب أن...؟"، "هل يتوجب على الكتّاب...؟"، السؤال دائما يتعامل مع موقف سياسي - ويلاحظ بأنّ الفرضية وراء الكلمات هي أنّ كلّ الكتّاب يجب أن يفعلوا الشيء نفسه، مهما يكن. العبارات "هل على الكاتب..؟ "يتوجب على الكتاب..؟ ' امتلكت تاريخا طويلا يبدو مجهولا للناس الذين يستعملونها بشكل عرضي.

الأمر الآخر هو "الالتزام"، فقد أصبحت مفردة رائجة كثيرا منذ وقت غير بعيد. هل فلان كاتب ملتزم؟

وارث الالتزام يرفع الوعي، وهو ذو حدّين: الناس الذين يرفع وعيهم بإعطائهم معلومات يحتاجونها، ويفتقرون إليها تماما، والصنف الثاني قد يمنحون دعما أخلاقيا يحتاجونه. لكن العملية تعني بشكل دائم تقريبا أن التلميذ يحصل فقط على الدعاية التي يستحسنها المدرس.

 رفع الوعي، مثل الالتزام، ومثل الصواب السياسي، فهو استمرار لذلك المتنمر كبير السن، أعني الخط الحزبي.

إن طريقة تفكير مشتركة جدا في النقد الأدبي لا ينظر إليها على أنها نتيجة للشيوعية، ولكنّها كذلك. كلّ كاتب عنده تجربة وجودية علمته أن الرواية, والقصّة، هما "حول" شيء أو آخر. كتبت قصّة "الطفل الخامس" التي صنفت في الحال على أنها قصة حول المشكلة الفلسطينيّة، البحث الوراثي، المساواة بين الجنسين، معاداة الساميّة وغيرها.

هناك صحافية من فرنسا دخلت غرفة جلوسي، وقبل حتى أن تجلس قالت: "طبعا (الطفل الخامس) حول الأيدز".

أؤكد لكم بأنها طريقة فعالة لإقفال المحادثة. لكن الممتع هو عادة العقل التي تصر على تحليل عمل أدبي كهذا. إذا قلت: "لو أردت الكتابة عن الأيدز أو المشكلة الفلسطينيّة لتوجب علي تأليف كتيب"، إذ اني احتاج عندها إلى إمعان البصر جيدا، إن عمل الخيال ذلك والذي يجب أن يكون "حقيقيا" حول مشكلة ما، هو ،مرة أخرى، وريث الواقعية الاشتراكية. إن كتابة قصّة لأجل القصة يعتبر عملا تافها، إن لم يكن رجعيا.

إن مطلب وجوب أن تكون تلك القصص "حول" شيء ما هو من التفكير الشيوعي، وفي نظرة أبعد إلى الوراء، هو من التفكير الديني، بترغيبه في كتب التحسين الذاتية البسيطة.

صواب العبارة السياسية ولد عندما كانت الشيوعية تنهار، لا أعتقد بأن ذلك كان صدفة، كما لا أقترح بأنّ مصباح الشيوعية تم تسليمه إلى المصححين السياسيين. ما اقترحه هو أن تلك العادات من العقل تم امتصاصها، وفي الغالب من دون أن تتم معرفتها.

هناك أمر جذاب جدا في إخبار الناس الآخرين حول ما الذي عليهم فعله: إنني أضعه بهذه الطريق المدرسية بدلا من اللغة الثقافية لأنني أراه كسلوك روضة الأطفال. الفن - الفنون عموما - متقلّبة دائما، خارجة عن الإجماع، وفي أفضل حالاتها تميل إلى أن تكون غير مريحة. الأدب، بشكل خاص، دائما ألهم لجان مجلس النّواب، نوبات الوعظ، ولكن في أسوأ حالات الاضطهاد. يزعجني أن ذلك الصواب السياسي يظهر وكأنه لا يعرف ما هي نماذجه وجذوره؛ يزعجني أكثر بأنه قد يعرف وأنه لا يهتم.

لكلّ امرأة أو رجل يحاول أن يستعمل الفكرة بعقلانية وهدوء لفحص فرضياتنا، هناك عشرون من النماذج الغوعائية دافعها الحقيقي الرغبة في التملك على الآخرين، هم غوغائيون يرون أنفسهم معادين للعنصرية أو مؤمنين بمساواة الجنسين أو ما شابه ذلك.

هناك بروفيسور صديق لي أخبرني حول عادة بعض الطلاب في الخروج من محاضرة علم الوراثة، ومقاطعة زيارة المحاضرين الذين لا تتوافق وجهات نظرهم معهم. دعاهم البروفيسور إلى منهاجه للمناقشة ومشاهدة أفلام فيديو حول الحقائق الفعلية. نصف دزينة من الشبان في زيهم المكون من الجينز والفانيلات دخلوا وجلسوا، وقد التزموا الصمت بينما يحاول إقناعهم. سيطر على عيونهم حينما أدار الفيديو، وبعد ذلك خرجوا معا. الإثبات، والذي ربما صدمهم كثيرا بسماعه، كان هو مرآة السلوك الشيوعي، تمثيل, وتصوير بصري للعقول المنغلقة للنشطاء الشيوعيين الشباب.

مرارا وتكرارا في بريطانيا نرى في المجالس البلدية أو في أعضاء المجالس المدرسية أو المديرات أو المدراء أو معلمي المدارس تتم مطاردتهم من قبل جماعات ومؤامرات وصيادي الفتنة، يستعملون أكثر  الوسائل قذارة وقسوة في غالبية الأحيان. يدّعون بأن ضحاياهم عنصريون أو بطريقة ما رجعيون.

أنا متأكدة بأن الملايين من الناس الذين انسحب بساط الشيوعية من تحتهم، يفتّشون بشكل مسعور عن عقيدة أخرى.

 

 

 

نيويورك تايمز 26 حزيران (يونيو) 1992