لا يكون كما نشتهي

السبت,كانون الثاني 05, 2008


 

 ترجمة: موفق ملكاوي

فازت دوريس ليسينغ هذا الإسبوع بوسام الأدب الأعلى: جائزة نوبل.

 ليسا ألارديك خاضت خلال خطوط باقات الأزهار التي تملأ قاعتها، لتسألها ما الذي يعنيه ذلك لها.

 

الغارديان - السبت 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2007.

 

دوريس ليسينغ يمكن أن تكون عنيفة، ولكن هذا الصباح، وكما هو متوقع من امرأة في عمر الثامنة والثمانين فازت لتوها بأعلى وسام أدبي في العالم، كانت مليئة بالبسمات والحبور.

إن درجات منزلها  المتداعي في غرب هامبستيد تصطف فيها باقات الزهور، أما غرفة جلوس الطابق العلوي، والتي أتذكر أن آخر مرة قابلتها فيها كانت مكتئبة قليلا ومحتشدة بأبراج الكتب والمجلات واللوحات ثقيلة الظل وستائر الحائط، فإنها تشع اليوم بالزهور ذات الظلال العميقة من البرتقالية والحمراء.

 تقول ليسينغ: "من الواضح أن الناس يربطون بيني وبين الغروب".

يبدو قطها عابسا، فتقول بأن ذلك سببه عدم حصوله على الانتباه الكافي بسبب كل هذه الجلبة.

وعلى الرغم من اضطرابات الساعات الأربع والعشرين الماضية، فإن الهاتف كذلك يرن بشكل متواصل، فتذهب إليه بتثاقل للرد على المهنئين.

وتقول بغبطة ظاهرة، أن أفضل مكالمة جاءتها من بطلها غابرييل غارسيا ماركيز، وتضيف: "لقد أثر فيّ كثيرا العدد الكبير من الناس الذين كانوا مسرورين لأجلي".

 

إن الذي كان مرجحا فوزه في الجائزة لهذه السنة فيليب روث (الاحتمالات كانت 7/ 2), وهو رجل جدالي عجوز، غزير جدا في الانتاج الأدبي، ومشهور بكتابته عن الاستمناء والسياسة والاضطراب العصبي عند الذكور، هزم على يد "الدخيلة" (في 50/ 1) عجوز جدالية، ومنتجة جدا للأدب، ومشهورة بكتابتها عن الحيض والسياسة والاضطراب العصبي النسائي.

 هي، كما لاحظت جميع التقارير، المرأة الحادية عشرة فقط، التي تفوز في الجائزة في عامها الرابع بعد المائة، فهل يعد هذا نصرا للكاتبات؟.

"أكره تقسيم الأدب على أساس الرجال والنساء، إن ذلك غير مفيد"، ولكنها تأسف لأن اسم فرجينيا وولف غير موجود في قائمة الفائزين.

ربما يكون أحد الأسباب الذي جعل من اختيار ليسينغ غير مفاجئ هو أنها، وقبل كل شيء، روائية أفكار ومثاليات.

 كاتبة في حقبة ما بعد الاستعمار والشيوعية ومناصرة للمرأة وروحانية - هناك القليل من المذاهب التي مرت في القرن العشرين ولم تعلق بها، سواء كان ذلك متعمدا أو عن غير قصد.

تقول وهي تلوح بيدها: "أولئك الذين في الخارج، يحبّون أن يكون لديهم ألقاب لتسهل الأمر عليهم".

أسألها حول الناقد الأدبي هارولد بلوم، وقوله أن قرار الأكاديمية "لباقة سياسية صرفة". فتجيب: "هارولد من؟ ..بلوم.. أوه، هارولد بلوم. ما الذي يقصده باعتقادك؟ لربّما يعتقد بأنه حان الوقت لمنحها لامرأة". الهاتف يدق من جديد، فتقول وهي تضحك: "أخبري هارولد بلوم بأن لدي توصيات غنية كثيرة".

إذاً ما الذي تعتقده سببا لحصولها على الجائزة، بعد أربعين عاما من وجودها على لائحة الانتظار؟

"من المحتمل لأنني أكتب بطرق عديدة ومختلفة، مع إيماني الراسخ بامتلاكي لهذا الحق. إنها قائمة رائعة".

هل كان سيخيب أملها إن لم تستطع الفوز بالجائزة؟

"لا، لقد استمر الأمر لسنوات وسنوات. بصراحة، لقد كان مملا جدا. فزت بجميع الجوائز الأوروبية، هذا هو الأمر الأكثر فتنة، ولكن هذا لا يعني القول بأنه الأفضل من وجهة النظر الأدبية".

طلبت ذات مرة أن تصبح سيدة الامبراطورية البريطانية، ولكن تم إخبارها بأن طلبها رفض كونه "غير موحٍ"، فهل هي حقا قالت ذلك؟.

تغوص في مقعدها الذي تقرفص عليه، وتقول: "نعم، لقد قلته. حسنا، أولا ليس هناك امبراطورية بريطانية، يبدو أن لا أحد لاحظ هذا. ثمّ سألوني هل أحب أن أكون وصيفة... رفيقة لمن؟ ووصيفة ماذا؟"

هي بلا شك أكبر عميدة بريطانية للحركة النسوية - العباءة التي تحاول خلعها منذ أن أعلن (دفتر الملاحظات الذهبي) أنه "الكتاب المقدس للحركة النسوية" في العام 1962. فهل هي حقا، كما قالت، ترى الرواية كطائر "القطروس"(2) الخاص بها؟

"هذا الكتاب يتصف بتهمة معينة خاصة به، يجب أن أعترف بها. إنه يستمر في الظهور في مكان ما في بلد آخر، ويجبرني على القول (يا إلهي، هذا الكتاب يمتلك شيئا). إنه يمتلك النوعية والحيوية".

زميلهاالفائز بجائزة نوبل جي إم كويتزي، قال عنها أنها "واحدة من الروائيين أصحاب الرؤية العظيمة في وقتنا". وهنالك أمر يتم التغاضي عنه في العادة حول ليسينغ، وهو أنها كانت رائدة في الشكل بالقدر نفسه الذي كانت فيه رائدة في الفكر، فقد تطورت قصتها من الواقعية الإنسانية في رواياتها المبكرة إلى مرحلتها الخيالية المتوسطة. وهي فخورة جدا بسلسلة الخيال العلمي الخاصة بها "كانوبس"، التي تركت النقاد حائرين بأمرها.

"أعتقد بأن بعض أفضل كتاباتي موجودة في سلسلة "شيكاستا". إنها تجارب. إنّ المشكلة هي أنه لا ينبغي علينا أبدا أن نقلّل من تقدير محافظية(3) الأدباء. . . عندما نشر (دفتر الملاحظات الذهبي) لم يلاحظ أحد بأنّه كان تماما الشكل المثير الذي كنت أستعمله، كانوا مهوسين جدا بحقيقة أنني قصدت أن أكون معادية للذكورة، this ball-breaker".

ويبدو بأنها تستمتع في مضايقة شقيقاتها من النساء،  بجرأتها في الاعتراف بالمذهب الحيوي والاختلاف الجوهري بين الأجناس. روايتها الأخيرة "الشق"،  خيال dystopian يصور الجنس النسائي (الشقوق) الرمزية، كورم وكسل، لكنه مفيد للاستعمال، والرجال كـ"نوافير" مغامرة فضولية، وهو الأمر الذي أدى إلى غمغمة كبيرة في وسط الناقدات.. .

وكما هو الحال مع دبليو إتش أودين، فإن الصور الجميلة لليسينغ في سنواتها التالية، جعلت منها واحدة من الوجوه المألوفة في عالم الأدب. فمع ملابسها المعبرة عن خطوط الموضة في زمانها، والعينين بعيدتي المدى، يعطي وجهها انطباعا بأنها تحدق إلى الخارج عبر السهوب الأفريقية، وهو تماما ما ظلت مواظبة عليه منذ أن تركت جوهانسبيرغ في العام 1950، بمخطوطتها الأولى في حقيبتها.

قصّة حياة ليسينغ ستكون مشهورة بين قرّائها، ليس فقط لأنها صرفت العديد من السنوات في تدوينها، بل كذلك لأنها تصف في مذكراتها، وبألفة غريبة، المشاهد والأصوات، وبشكل خاص روائح الأدغال الأفريقية التي حضنتها وشكّلتها. تصف طفولتها المقسمة بين النزهات الصاخبة وحياتها الداخلية الحادّة، تلك الطفولة التي تمت السيطرة عليها من قبل أمّها المستبدة، والتي استمرت في التصادم معها "بثبات، لكن بتردّد" حتى موتها.

وعلى الرغم من أنها تذكر الأم كثيرا في قصصها، إلا أنها وحتى وقت قصير استطاعت أن تكتب عنها بشكل مباشر، فهل سامحتها؟. "استطعت تفسيرها.. ربما تكون تلك مسامحة".

إن روايتها الأخيرة، والتي قد تكون آخر ما تكتبه، أسمتها (ألفريد وإيميلي) بإسم والديها. وصفتهما دائما كما لو أنهما معاقان بسبب الحرب العالمية الأولى (أبوها جسديا: فقد ساقا؛ وأمها عاطفيا).

في النصف الأول من الرواية "تلغي الحرب العالمية الأولى لأجلهما، لذا فهما يختبران حياة عادية جدا، ومحترمة". أما الجزء الثاني فهو يلقي الضوء على ما حدث بعد الانتقال إلى روديسيا.

تقول: "أساسا، هو كتاب ضدّ الحرب، وهو الموضوع الذي لم يدر في خلدي عندما بدأت بالكتاب".

إذا، هل كانت متأثرة في هذا بالأحداث العالمية الحالية؟

 "لا، هذا ليس صحيحا، أنا أكره الحرب بالطبع، أعتقد بأن الكثير من الشباب ليس لديهم فكرة عن حقيقة الحرب، وكيف تكون. إنني أخشى كثيرا من أن ينظر الشباب إلى الحرب على أنها فعل فاتن".

قالت بأنّ الإنجليز أفضل في "الروايات الوصفية الصغيرة، خصوصا حول الفروق الدقيقة بين الطبقات أو السلوك الاجتماعي".

وتقول: "هذا صحيح. إنهم يفعلون ذلك بامتياز"، فهل تعتقد بأن الرواية المعاصرة ينبغي لها أن ترتبط أكثر بالسياسة؟.

وتجيب: "لا، قد تتفاجئين من جوابي، ولكنّي لم أعتقد أبدا بأن الرواية يتوجب عليها أن تكون رسالة سياسية: انظري في أعمالي، فهل تجدين رواية تحمل رسالة سياسية!".

إذاً، ماذا الذي تعتقده انجازها الأعظم؟.

"ما فعلته هو أنني بقيت مستمرة في الكتابة مهما حدث؛ التصقت فيها. أحيانا كان ذلك يشكل صعوبة كبيرة، لا تنسي بأنّه كان لدي طفل خلال الجزء المبكر من حياتي الكتابية".

أحدى الفواصل التي ميزت حياة ليسينغ، وكما حدث مع موريل سبارك التي كانت مجهولة لديها في الوقت الذي عاشت في مكان قريب منها في روديسيا، هو أنها واحدة من أكثر الأدباء الرفضويين شهرة - something for which she has been given a hard time, for refusing to demonstrate insufficient breastbeating.  "طفل موريل كان تحت عناية جديه، وأطفالي تم الاعتناء بهم من قبل زوجة ثانية. هم لم يتركوا على عتبة الباب".

ألم تشعر بالذنب الفظيع؟

 "لا، كما تعلمين ذلك شيء صعب. لأنني لو لم أغادر فإنني أعرف ماذا الذي كان سيحدث لي. كنت سأصاب  بانهيار عصبي هائل، وأصبح مدمنة كحول. لقد كان خيار الرحيل فظيعا، ولكنه كان خيارا صحيحا".

لكن هناك سخرية حزينة في حقيقة أنّ ليسينغ أمضت السنوات القليلة الماضية تهتم بابنها المتوسط العمر من زواجها الثاني، بيتر، الذي يعيش في شقة مجاورة. لقد كان مريضا جدا، وأدخل المستشفى لمرتين، لذلك فقد أصبح من الصعب جدا عليها إيجاد الوقت والطاقة للكتابة.

في الوقت الذي يدّعي فيه المؤلفون بأنهم يكتبون بشكل كامل لأنفسهم، فإننا نشعر أن هذا الأمر حقيقة مع ليسينغ، إنها تكتب عما تهتم به في تلك اللحظة، وإذا لم يعجب القراء فبإمكانهم طرحه جانبا، وهؤلاء القرّاء لا يحبونها فقط، بل يعشقونها.

تقول ليسينغ: "إنه أمر رائع، قابلت فتيات قلنَ لي: (أمّي أخبرتني أن أقرأ لك، وجدتي كذلك)، إنه حقا شيء رائع، أليس كذلك؟".

 

 

 

(1)

(2) القطروس: طائر بحري كبير.

(3) من محافظ، أي مقاوم للتغيير.