لا يكون كما نشتهي

السبت,كانون الثاني 05, 2008


 

راجعه: ريتشارد جي صامويلز*

ترجمه عن الإنجليزية: موفق ملكاوي

 

 

ضابط بريطاني غير معروف لاحظ في أواخر العام 1945 أن "كلّ الدمّ الذي سُكب في جاوا منذ الاحتلال الياباني لن يعرف إلى الأبد"، ولكن الأسوأ ما يزال قادما.

عندما وضع اليابانيون رسميا أسلحتهم في منتصف شهر آب (أغسطس) من العام 1945، عمّ السلام كامل القارة الآسيوية، التي تميّزت جغرافيتها السياسية الجديدة بالتشويش، وبخلط الإشارات وفقدان الفرص في الدبلوماسية الحكيمة.

 وتشكلت تحالفات جديدة حول عداوات قديمة، وزادت الفوضى التي ابتلعت المنطقة، فنما جيل جديد على حروب قادمة في المستقبل.

 

رونالد سبيكتور كاتب مجدّ، والكتابة التأريخية الجيدة تساعدنا في رؤية الماضي بصورة أكثر وضوحا، وفي هذه الشريحة المعينة للماضي في كتابه "في خراب الامبراطورية: الاستسلام الياباني ومعركة آسيا ما بعد الحرب"، الذي يقع في  358 صفحة، ونشرته "دار راندوم"، أو آسيا بعد تحطم طموحات اليابان واحتراقها، يرتب المؤلف صفقة كبيرة مع القارئ.

لقد كانت الأسئلة المطروحة في ذلك الزمن عديدة؛ من الذي سوف يتم تحريره: هل يتحرر اليابانيون من المستعمرين الهولنديين والفرنسيين؟ أم الأندونيسيون والفيتناميون من الهولنديين والفرنسيين؟ هل تتمكن كوريا من إيجاد دورها الخاص؟ هل يسيطر السوفييت على منشوريا؟ و.. تحت أي علم سوف تتحد الصين؟.

في ذلك الوقت كان كلّ شيء جاهز لمن يريده أولا.

أصبح صعبا تمييز الأصدقاء من الخصوم.

وقبل أن يتمكنوا من العودة إلى الوطن، هجر بعض الجنود اليابانيين الجيش الامبراطوري، وتخلفوا من أجل النضال لاستقلال أندونيسيا، وهم لم يكونوا بالتأكيد من أولئك الذين خافوا من تهم تتعلق بجرائم الحرب.

آخرون قاتلوا إلى جانب الفيتناميين ضد الفرنسيين والبريطانيين، بينما كانوا ما يزالون يرتدون لباسهم الإمبراطوري، وهو الوقت نفسه الذي هبطت فيه القوات الأميركية في (إنشون) لبدء احتلال كوريا. العديد من جنرالات شيان كاي شيك، كانوا قد درسوا في الأكاديمية العسكرية اليابانية، وفيما بعد استخدموا قوات يابانية لمحاربة الشيوعيين.

سبيكتور أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن، يؤكد بأن اليابانيين حرسوا خط السكة الحديد، وكسروا القيادة الشيوعية في شنغهاي في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1946، وقد كان هنالك حوالي 80,000 جندي ياباني  يعملون تحت قيادة شيانك.

في غالبية الأحيان، وبكل بساطة، يكون المنتصرون  جاهلين، ويحاولون الحكم بالمعلومات المحدودة التي تتوفر لهم. ذات مرة هزأ رئيس الوزراء يوشيدا شيغيرو بالاحتلال الأميركي  في اليابان لـ "جهله الكبير بمقدار المعرفة الضرورية التي افتقر إليها".

 

وعلى الرغم من خدمات أجهزتها المخابراتية، فقد ظلت الولايات المتحدة جاهلة، وعلى نحو رائع بالمنطقة. فعلى سبيل المثال، لم يكن الجيش يملك من المعلومات حول كوريا سوى بضع صفحات استقاها من دليل للسفر مطبوع في العام  1905، كما لم يكن لديه معرفة باللغة. وقد قامت قوات الاحتلال الأميركية باستئجار يابانيين من المحتلين السابقين، ومتعاونين كوريين مشكوك بإخلاصهم إلى الاحتلال، وذلك من أجل توضيح الحياة على شبه الجزيرة للقادمين الجدد.

إن هذا الجهل هو الذي حدا بالحاكم الأميركي المشوش في سيؤول إلى الإعلان على عامة الكوريين المذهولين، بأن الياباني سيواصل حكم البلاد، وهو الإعلان الذي أخذ شهورا طويلة لإلغاء ضرره.

 

كلنا نعرف المقولة المكرورة "التاريخ يعيد نفسه"، ولكن المؤرخين الناجحين هم من يستطيعون أن يرونا أين، وكيف؟

إن الوضع العراقي موجود بقوة وبظلال سوداء تطل عبر كلّ صفحة في كتاب سبيكتور، بدءا بإعلان الجنرال دوغلاس مكارثر في خطاب إذاعي: "اليوم الحرية تأتي من موقع الهجوم، والديمقراطية تأتي من مواكب الجنود".

على أي حال، كانت "هاوية القطران لحروب الصين الداخلية" تتمثل في مقاتلين محليين غير مرعوبين من الأسلحة الحديثة، وتعارضات سياسية عالقة بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، وتحالفات الراحة مع أسياد الحرب الفاسدين، وجيوش شعبية محليّة تحت قيادة ديماغوجيين.

المفارقة أن معظم هذا سيبدو مألوفا إلى القرّاء الحديثين الذين يعيشون حرب العراق، وهناك ما هو أكثر: تابعت واشنطن سياساتها الغامضة، بحيث تمت إدانة العديد من المسؤولين الميدانيين، إضافة إلى أنه تم اللجوء إلى نشر عدد من القوّات أقل بكثير مما طلبه القادة، وقد مُدّدت جولات الواجب لجنود الحرب المرهقين؛ أما دعم الجمهور الأميركي فقد انخفض بحدّة جرّاء هذه المغامرات في آسيا. 

لكن كتاب سبيكتور لا يتحدث عن الماضي والحاضر فقط، بل يحسّن قدراتنا لتمكيننا من رؤية المستقبل.

ومع الانفلات والتعقيد اليائس "في خراب الامبراطورية"، تظهر آسيا حيّة. يحفر سبيكتور صورا بارزة، ليست للشخصيات الرئيسية فحسب، ولكن حتى الشخصيات البسيطة والثانوية تحظى بهذا الحضور.

كانت هناك العديد من النهايات المحتملة لكتاب سبيكتور، ولكنه اختار تقديم لمحة عن العراق يلخّص فيها الجوانب المتباينة من قصته عن ذلك البلد من دون أن يحاول جمع تلك الجوانب معا. ويؤخذ عليه في هذا السياق بأنه لم يحاول استكشاف صلة قصته بشرق آسيا المعاصر، كونه في منطقة حيث الضغط على لوحات التحكم بالجغرافيا السياسية لم يتوقف أبدا، وهو ما يقود إلى الشعور بأن تأثير القرارات التي اتخذت في العام1945 ما يزال فاعلا.

 

* ريتشارد جي صامويلز، أستاذ علم السياسة الدولي، ومدير مركز الدراسات الدولية، وهو مؤلف كتاب "ضمان اليابان: استراتيجية طوكيو الكبيرة ومستقبل شرق آسيا".

 

 

* هيرالد تريبيون –أيلول (سبتمبر) 2007

 

mwaffaq001@yahoo.com