لا يكون كما نشتهي

السبت,كانون الثاني 05, 2008


 

راجعه: جون ستيل جوردن*

ترجمه عن الانجليزية: موفق ملكاوي

 

 

عرفت السنوات الأخيرة من القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر على أنها عصر التنوير، عندما حول انفجار استثنائي من النشاط الثقافي الحضارة الغربية إلى العلم والفلسفة، بواسطة رجال سياسة، مثل: لوك ومونتيسيكيو وفولتير وروسو، الذين فكروا بعمق، وكتبوا بكثافة حول كيفية حكم الشعب، وحول صفات رجال الحكم.

ولكن عملهم بقي حتى أواخر القرن الثامن عشر، نظريا تقريبا، فقد بقيت الحكومات الملكية القديمة موجودة، بينما الدساتير كانت غير مكتوبة، ماعدا في بريطانيا، حيث أدارت الأرستقراطية برلمانا، كانت القوة تنبع فيه بشكل دائم من الأعلى للأسفل.

ولكن ذلك الوضع بدأ بالتغير في العام 1789، عندما حاول رجال على جانبي الأطلسي تحويل النظرية الثقافية إلى حقيقة سياسية. في تلك السنة، دخل الدستور الأميركي حيز التنفيذ بتنصيب جورج واشنطن، كما أن الثورة الفرنسية بدأت بسقوط الباستيل.

الحدثان ربطا بقوة، فالمساعدات الفرنسية كانت مهمة وحاسمة لتحقيق النصر في الثورة الأميركية، غير أنها أدت إلى إفلاس الحكومة الفرنسية، وقادت الأزمة المالية اللاحقة مباشرة إلى انهيار النظام. وبعدها بقليل فإن الوزير الفرنسي لافاييت سوف يكتب مسودة إعلان حقوق الإنسان.

إن نتائج محاولات نقل النظرية السياسية لتكون حقيقة سياسية في فرنسا والولايات المتحدة، ما كان يمكن أن تكون أكثر تباينا. كانت الولايات المتحدة ما تزال تعيش تحت حكم الدستور الذي جاء في العام 1789،  وفي العام 1801 هُزم جون أدامز في الانتخابات، وتسلم جيفيرسن الرئاسة, وقد كان ذلك الانتقال السلمي للسلطة سابقة في التاريخ الإنساني.

إن ما أنتجته الثورة الفرنسية، هو فقط ما وصفته مارغريت تاتشر بشكل لاذع "كومة من الجثث، واستبداد"، إذ أنها ومنذ العام 1789 ما تزال فرنسا تحاول جعل النظرية ممارسة عملية، كان ذلك خلال ثلاث ممالك: امبراطوريتان وخمس جمهوريات.

إن كتاب جاي وينيك الجديد "الثورة العظيمة"، يصف تلك الأحداث التي غيرت العالم، وأحداثا أخرى عديدة، إذ يلقي الضوء مثلا على شخصية الملكة كاثرين في روسيا العظيمة وبولندا، التي تراسلت مع فولتير وفلاسفة آخرين.

ورغم أنها كانت ملكة واسعة الثقافة، إلا أنها كانت شديدة الاستبداد، وعندما اندلعت الثورة قمعتها بقسوة. لا شيء من ارتباك لويس السادس عشر يمت إليها بصلة.

بولندا حاولت تأسيس حكومة جديدة باستلهام من الدستور الأميركي في العام 1791. ولكن لسوء حظها فقد مسحت من على الخريطة من قبل جيرانها: روسيا والنمسا وبروسيا الذين تقاسموا البلد بينهم.

يصور وينيك الأوقات الصاخبة التي بدأت فيها أميركا التجربة العظيمة في اختبار ما إذا كانت بلد بحجم قارة يمكن أن تؤسس حكومة تمثيلية بنجاح. (ذات مرة فكر مونتيسكيو بأن الجمهوريات مناسبة فقط للدول محدودة المساحة، أو المقاطعات).

في هذه الأثناء، انشغلت أوروبا بحرب طويلة استمرت زهاء 25 سنة، لم تتخللها سوى هدنة قصيرة واحدة.

إن الذي بدأته أميركا: حكومة الشعب، التي يديرها الشعب، ولمصلحة الشعب، سوف تنتشر ببطء حول العالم، والقوة سوف تنطلق صعودا، لا هبوطا، غير أن ذلك لن يمنع من استمرار الحكام المستبدين من تسلم السلطات المختلفة في العالم، حتى الألفية الجديدة.

إن وينيك مؤلف الكتاب المهم "نيسان 1865" حول نهاية الحرب الأهلية الأميركية، يسيطر على المادة التاريخية، وعلى الأحداث والشخصيات عندما يكتب حول أميركا، ولكنه يبدو أقل ثقة بنفسه عندما يتعامل مع أوروبا. فعلى سبيل المثال، يكتب أن التاج البريطاني "اقترب من البيت الألماني لهيس للاستفادة من مرتزقة هانوفر".

إن سيرة هيس جعلت من الممكن أن نظن أنه قد يقوم بتأجير جيشه إلى البلدان الأكبر، ولكن الحقيقة هي أن جورج الثالث كان هو صاحب السيادة على هانوفر، وأمر المرتزقة كان بيده.

يصف وينيك فرنسا العام 1783، بعد الهزيمة القاسية التي لحقت ببريطانيا في الثورة الأميركية، على أنها "الامبراطورية الأقدر على الكرة الأرضية". ولكن الحقيقة هي أن الامبراطورية الفرنسية في 1783 لم تكن تسيطر سوى على بعض جزر السكر في جزر الهند الغربية، فرنسا وقتها كانت مفلسة تماما.

وفي السياق نفسه، يدرج الدنمارك وهولندا والبرتغال على أنها من بين القوى العظمى في أوروبا.

وفي غيرها من الصفحات يكرس وينيك فضاء كبيرا للحروب الكبرى ضد الامبراطورية العثمانية، ولكن هذه الحروب تمتلك أهمية قليلة بالنسبة إلى موضوعه، فالعالم السياسي الجديد ولد في أعقاب الثورتين؛ الأميركية والفرنسية. لقد كانت مجرد حروب قديمة جيدة، لقوة صاعدة ضد أخرى هابطة.

وفي أبعد من ذلك، فهو يبالغ بعنف في أهمية تلك الحروب في الثورة الأميركية، ورغم ذلك فإن كتاب روبرت ميدلكوف "سبب مجيد"، والذي يعد أفضل كتاب تاريخ شامل حول الثورة، لا يأتي على ذكر هذه الحروب نهائيا.

"الثورة العظيمة" كتاب طويل جدا، وما أخشاه هو أن يبدو كذلك بالفعل، خلال عدد كبير جدا من الشواهد التاريخية، مثل تدشين بناية فيرساي قبل مائة عام، وحتى محاكمات (ساحرة سالم) في الفترة نفسها، إضافة إلى سير ذاتية وأرقام وأشخاص غريبين.

إن الكتاب يقع في 659 صفحة، وكان يمكن له أن يكون أفضل لو اقتصر على 400 صفحة فقط.

إن ما لا نجده في هذا الكتاب هو أيّ ذكر للثورة الانجليزية في 1688، والتي تم خلالها وبشكل حاسم كبح السلطات الممنوحة إلى الملك، وليصبح البرلمان لاعبا مساويا له. لقد كانت هذه اللحظة مهمة جدا في تاريخ تطور الحكومة التمثيلية، فقد وجد المؤسسون الأمريكان مثالا يتشبعونه بعمق، لذا فإن إهماله لذكر هذه الثورة غريب جدا في الحقيقة.

ورغم ذلك، فهناك الكثير من المحتوى المهم في كتاب "الثورة العظيمة"، الذي يخبرنا قصة مهمة، فعندما يلتقط الموضوع بدقة، يخبرنا إياه بشكل جيد، مما يدلل على أن الكاتب موهوب بشكل كبير.

 

 

*جون ستيل جوردن مؤلف كتاب "امبراطورية الثروة: التاريخ الملحمي للقوة الاقتصادية الأمريكية"، والمقال منشور في "هيرالد تريبيون" بتاريخ 18 أيلول (سبتمبر) 2007.

 

 

Mwaffaq001@yahoo.com