لا يكون كما نشتهي

السبت,كانون الثاني 05, 2008


 

بقلم: ستيفن كينغ*

ترجمها عن الانجليزية: موفق ملكاوي

 

 

القصّة الأميركية القصيرة ما تزال على قيد الحياة.

هل تحب سماع هذا؟ أنا أيضا. أتمنى فقط أن تكون حقيقة على أرض الواقع. إن ما أستطيع الشهادة عليه، هو أن الشكل الفني ما يزال حيا، وكمحرّر  لكتاب "أفضل القصص الأميركية القصيرة في العام 2007"، قرأت المئات منها، وعدد كبير من تلك المئات كانت قصصا جيدة. بعضها كانت جيدة جدا، وأخرى كانت أكثر من رائعة.. ولكن تلك قصة أخرى.

لقد حصلت على تلك المئات من القصص، والتي تطفح بها الآن العديد من الصناديق الكرتونية بطرق مختلفة، بعضها تم التوصية به من قبل الكتاب والأصدقاء، وأخرى حمّلتها عن طريق الإنترنت، أما العدد الأكبر فقد أرسل إلي بشكل منتظم من قبل محررة السلسلة هايدي بيتلور. غير أنني لم أتعود أن أنتظر الدور، لذلك فقد قرأت عددا كبيرا من القصص من خلال مجلات اشتريتها بنفسي من المكتبات وأكشاك بيع الصحف في فلوريدا ومين، وهما المكانان اللذان أقضي فيهما غالبية العام.

أود أن أبدأ بالحديث حول مجموعة القصص القصيرة النموذجية التي اصطدتها من مكتبتي المفضلة (ساراسوتا)، فهناك نقطة مهمة حول هذا الأمر.

إنني أذهب إلى هناك في حدود موعد صدور عدد جديد من  (تين هاوس) و (زويتروب)، وستكون هنالك قضية جديدة في (النيويوركر) بكل تأكيد،  وربما أحصل على أعداد جديدة من (غليمير ترين)، و(هاربرز). لا حاجة لي لأن أتفقد شهرية (أتلانتيك)، فمحرروها اتفقوا على نشر اختياراتهم الخاصة من القصة القصيرة في عدد خاص مرة كل عام، وهم يقومون بانتقاد الآخرين طيلة الوقت.

لهذا كله أذهب إلى المكتبة، فماذا أرى أولا؟

طاولة مليئة بالمجموعات القصصية الأكثر رواجا، وبأسعار عالية. جيمس باتيرسون ممثل بكتاب (دنييل ستيل).. ولكن غالبية ما هو موجود في هذا الكتاب عبارة عن مادة غير مفيدة بعد الاستعمال، غير أنه موجود دائما في المقدمة، يلطمك في عينك حالما تدخل هناك.

 لماذا؟؟

لأنه يعرف كيف يصنع المال، وهذا هو مهر البهجة.

 

أتجاوز رفوف الكتب الأكثر مبيعا، وأتجاوز رفوف الكتب التجارية ذات الأغلفة الورقية المحملة بعناوين مثل (من سرق دجاجتي؟)، (سر الإثراء)، و (كن قطعة جبن كبيرة الآن). أتجاوز كتب الغموض، وكتب أدلة الصيانة والتصليح الآلية. ثم أتجاوز الطاولة الصغيرة للكتب الكاسدة، تبدو حزينة وبالية باللافتات الحمراء التي تشير إلى التخفيضات على أسعارها.

أصل إلى حائط المجلات المجاور لقسم الأطفال الذي يعيش أوج موسمه. أحدّق في رفوف المجلات، وتحدّق المجلات في بلهفة.. مشاهير يرتدون ثيابهم الفاخرة، عارضات بجينز رخيص، أجهزة ستيريو ممتازة، عروض برامج حوارية مع وصفات من الحمية التي لا يمكن تفويتها.. جميعهم يصرخون: اشتريني! اشتريني! خذني إلى البيت وأنا سأغير حياتك!

يمكن لي أن أمسك بـ (النيويوركر) و (هاربرز)، فيما أنا ما أزال واقفا هناك، من دون أن أركع على ركبتي مثل بواب المدرسة الذي يحاول كشط علكة عنيدة عن أرضية صالة الألعاب، ولكن في باقي رحلتي يتوجب علي أن أفترض بالضبط هذا الموقف.

 أتمنّى من المرأة الشابة التي تتصفح مجلة (العروس الحديثة) أن لا تعتقد أنني أحاول النظر إلى تنورتها، كما أتمنى من الشاب الذي تأبط كتاب (الأبراج) أن لا يخطوا باتجاهي.

أتحرك ببطء باتجاه أحد الرفوف المنخفضة، وهنا أجد كنزا جديدا: ليس (زويتروب) و (تين هاوس) فقط، لكن أيضا (فايف بوينتس) و(كينيون ريفيو).

 لم أجد (غلامور ترين)، ولكن كان هناك كتاب (القصة الأميركية القصيرة)، (أيوا ريفيو) وحتى أنني وجدت مراجعة لفصلية (ألاسكا) .

أقف على قدمي، وأفكر بالخروج. كلفة المجلات الستة التي انتقيتها تربو على الثمانين دولار، فليس هناك تخفيضات في قسم المجلات.

يقفز في ذهني سؤال عسير حول الصورة التي رأيتها في هذه المكتبة الكبيرة ذات الفروع العديدة: أين يكمن الخطأ؟

قد نتجادل طوال النهار حول الأسباب الحقيقية التي ترتب فيها إدارات المكتبات الكتب القصصية خارج مرمى بصر المشترين. ويحق لنا أن نتعجب من حقيقة أن بريتيني سبيرز موجودة بشكل دائم في أفضل مواقع الدخول والخروج في المكتبات الكبيرة والصغيرة، بينما مواهب أميركية مهمة مثل: وليام غاي وراندي ديفيتا وإيلين بولاك وأرين كايل، تظل أعمالهم في طي الإهمال. يحق لنا أن نتعجب، ولكن دعنا من ذلك، فهو أمر قد يكون جانبيا، إضافة إلى أنه يؤلم.

وبدلا من ذلك، دعنا نحاول معرفة ما الذي يعنيه الرف الأسفل إلى الكتاب الذين ما يزالون يهتمون بالقصة القصيرة،  ماذا يحدث عندما يدرك هو، أو تدرك هي بأن جمهوره أو جمهورها ينكمش ويتناقص بشكل يومي تقريبا؟ حسنا، إذا كان الكاتب حقيقيا فإنه سوف يستمر في الإبداع والعطاء على الرغم من تلك الحقيقة، لأن هذا ما قضى به الله وجيناته التي فطرت على الإبداع.

هذا جيد، ولكن الذي ليس بجيد هم أولئك الكتاب الذين يكتبون لأي نوعية وجدت من القراء، وفي الكثير من الحالات، يحدث أن ذلك الجمهور يشتمل على الكتاب الآخرين، أو الآملين في أن يصبحوا كتابا، والذين يقرأون المجلات الأدبية المختلفة – و(النيويوركر) من ضمنها بالطبع، وهي التي تعتبر الكأس المقدسة للكتابة القصصية الشابة - ليس من أجل التسلية، وإنما لتكوين رأي حول ما يباع، وهذا النوع من القراءة لا يمكن أن يعتبر قراءة حقيقية، حيث لا تستطيع الانتظار لاكتشاف ما يحدث بعد ذلك، فهي لا تعدو أن تكون قراءة باللمس، وهو أمر مضحك.

في العام الماضي، قرأت أعدادا كبيرة من القصص التي شعرت بأنها ليست ميتة تماما على الورق. إن تلك القصص تقترح مبدأ العرض المتكبر أكثر مما تقترح شرط المتعة، وتقترح أهمية النفس (الكاتب) أكثر من الإثارة،  والحذر والوعي بدلا من التألق المفتوح على مصراعيه.. والأسوأ من كل ذلك أنها كتبت للمحررين الأدبيين بدلا من القراء.

إن السبب الرئيسي لكل هذا، على ما أعتقد، هو ذلك الرف السفلي في تلك المكتبة وغيرها من المكتبات. لا شك بأنه وضع قاس على الكتاب أن يكتبوا، وعلى المحررين أن يحرروا، في الوقت الذي يواجهون فيه تقلص الجمهور وانكماشه.

ذات زمن، في أيام (أمسيات السبت) القديمة، كانت القصة القصيرة تقرأ في قاعة رياضية كبيرة، أما الآن فهي بالكاد تصلح لأن تقرأ في مقهى صغير، وتقرأ في غالبية الأحيان بمشاركة قيثارة وأورغن.. إذا بدت القصص خاوية فما الذي يمنع حدوث ذلك؟ فعندما يفشل نظام التهوية، فإن الهواء في الغرفة يصبح فاسدا.

ورغم ذلك. فقد قرأت الكثير من القصص العظيمة خلال هذا العام. ليس هناك كاتب واحد في هذا الكتاب لم يبهجني، ولكن لا أقول أن البهجة وصلت إلى درجة الصراخ على أصدقائي بضرورة قراءة القصص.

أعتقد أن قصصا متباينة مثل: "بيت لوسي للبنات تبنيه الذئاب" لكارين راسيل، "حفلة توجا" لجون بارث، و "صحوة" لبيفيرلي جينسين، هي قصص ميتة الآن.

الموهبة لا تستطيع مساعدة نفسها؛ فهي تهدر بتعاقب الطقس الجيد مع الردئ، وتصبح عاطفية.

إذا كان هناك أمر مشترك في هذه القصص، فهو ذلك الإحساس بالتداخل العاطفي الذي يبتعد خارج عملية الإدهاش. إنني أبحث عن القصص التي تهتم بمشاعري إضافة إلى اهتمامها بفكري، وعندما أجد واحدة من تلك القصص التي تكون خارج السيطرة العاطفية، مثل "Sans Farine" لجيم شيبارد، فإنني أتمسك بتلك القصة وبشدّة.

هل أنا أبحث عن شيء يغري أنفي الناقد؟ ربما لاحقا، وأعترف بأنه ربما لا وإلى الأبد. ما أريد البدء به هو شيء يهاجمني مثل صراخ نيزك حار يهبط من سماء كانساس. أريد البهجة القديمة التي من المحتمل أن تعود إلى الكهف: لكي أعيش أكثر وضوحا مع نفسي ولو لفترة بسيطة، كما قساوة الطيار الذي يضغط بإصبعه زر القنابل. أنا بالتأكيد لا أريد كتابات تعليمية تقلد فولكنر، أو بعض تيارات الوعي التي دعا إليها بوب ديلان ذات مرة حين قال: "المعنى الحقيقي إجاصة".

لهذا نعود إلى السؤال الذي طرحناه في البداية: هل القصة الأميركية القصيرة ما تزال حية؟.. تحقق من ذلك. هل القصة الأميركية القصيرة بحالة جيدة؟.. آسف، لا، لا أستطيع قول هذا. إن شروط الحالة الراهنة لا تقول ذلك، بل من الملائم القول بأن الحالة مرشحة للتدهور في السنوات المقبلة.

إذا ما هي الإجراءات التي ستتخذ؟

أنا أقترح بأن تكون البداية بقراءة "أفضل القصص الأميركية القصيرة" للعام الحالي، فهي ترينا كيف يمكن للقصص أن تكون حيوية حينما تصاغ من القلب والعقل والروح، وبواسطة أشخاص يهتمون بها، وما يزالون يعتقدون بأهميتها.

إن القصة ما تزال مهمة، ولكنها وللأسف الشديد تقبع في الرف السفلي في مكتباتنا.

 

 

* ستيفن كينغ: مؤلف لستين كتاب، إضافة إلى كونه كاتبا قصصيا، كتب أكثر 400 قصة قصيرة، من ضمنها "الرجل بالبدلة السوداء"، التي حازت جائزة او هنري في العام 1996.

 

- النيويورك تايمز - 30 أيلول (سبتمبر) 2007.

 

Mwaffaq001@yahoo.com