راجعه: ماثيو بيتيرز*
ترجمه عن الإنجليزية: موفق ملكاوي
في العام 1875 انتقل هنري جيمس من نيويورك إلى شقة فاخرة في ريو دي لوكسمبورغ في باريس. وقد كان مسرورا لهروبه مما عدّه عدم تقدير، ومن الحياة الاجتماعية الأميركية غير الغنية.
وبعد سنة، استعدّ للانتقال إلى لندن، حيث عاش السنوات العشرين التالية. كتب إلى أخيه وليام حول سأمه وخيبة أمله من باريس، يقول بأنّه "لم يحصل منها على شئ مهم". وفي العام 1881، وفي مستهل دفتر ملاحظاته، رأى جيمس تلك السنة بشكل مختلف: "إنه وقت لا يمكن أن يكون مبددا على الإطلاق".
إن كتاب بيتر بروكس يوضح أن تلك السنة في باريس لم تكن وقتا غير مبدد فقط، وإنما كانت حاسمة في التطوّرات التالية في قصة جيمس.
لقد قام بتقصي ردود فعل جيمس المريبة والعدائية من حين لآخر على المشهد الثقافي الباريسي في العامين 1875 و1876، ولذلك يؤكد بروكس بأن جيمس تأثر بالانطباعية التصويرية الفرنسية، إضافة إلى تأثره بالواقعية والطبيعية في الأدب هناك، ما أسهم في تطوير ما يدعوه بروكس "التجريب الراديكالي" والتجريب السردي في قصته في تسعينيات القرن التاسع عشر وما بعدها.
في مقابلة نشرت في العام 1994، تحدث بروكس عن "إغراء" كتابة سيرة ذاتية لعلم أدبي. وهو يعتقد بأن السيرة الذاتية "كانت أحدى الأشكال القليلة التي يمكن للناقد الأدبي أن يستعملها في ثقافتنا، للوصول إلى جمهور كبير".
إن "رحلة هنري جيمس إلى باريس" بعيدة عن السيرة الذاتية لجيمس، فلا يوجد سوى الفصل الأول الذي يكرّس لإخبار قصة تلك السنة، ورغم ذلك فتصميم الكتاب كسيرة جاء بشكل واضح لربح عدد أكبر من الجمهور، أكبر مما نتوقعه من كتاب نقدي يتناول تجربة جيمس.
إن أحداث سنة جيمس في باريس تنطوي على أهمية كبيرة، وتتضمّن علاقاته العادية، والاستقبال الجليدي لجيمس من قبل فلوبير ودائرة معارفه، خصوصا بعد أن ارتكب جيمس الذنب الكبير بإظهار إعجابه بقصة غوستاف دروز، إضافة إلى صداقة جيمس الكئيبة وغير المحتملة مع سي إس بيرس الذي نسيه جيمس حالما حصل على أصدقاء جدد في باريس؛ ويقظته المذعورة في حضور إيفان تورغينيف، الذي وقّره جيمس كإنسان وكروائي.
اعترف جيمس لوليام بأنه من غير المحتمل أبدا بأن يتعمق بالمشهد الأدبي الفرنسي؛ لكنه كتب إليه أيضا عن صداقته العميقة مع الفنان الروسي بول تشوكوفيسكي، وهي صداقة يمتحنها بروكس مع بعض التفاصيل في هذا الكتاب، فارتباط جيمس بتشوكوفيسكي كان قويا.
القيمة الحقيقية لهذا الكتاب، على أية حال، تكمن في تقييم بروكس للتأثير المتأخر للثقافة التجريبية الفرنسية على قصة جيمس.
إن بروكس يكتب بوضوح وثقة تميز بهما منذ وقت طويل سابق خلال أعمال نقدية مؤثرة جدا، مثل: الخيال الميلودرامي (1976)، وقراءة المؤامرة (1984). ومركزية حججه في قراءاته الممتدة على روايات كثيرة، مثل "الإلهام المأساوي"، تنطلق من أرضية أن جيمس يحتفظ دائما باعتقاد كبير للقيمة التمثيلية – كما في "القدر الذهبية" - بالرغم من التجريب المتحرر في قصصه المتأخرة.
أن تركيز بروكس متغاير على السطوح وانطباعات التقنيات "الفلوبيرية" القصصية، وذلك من خلال التزام جيمس الشكل "البلزاكي" للتمثيل، والذي كان "أقل اهتمام بالتفاصيل الحقيقية مما يبين، وأقل ربطا بسطح الأشياء مما هو مقترح".
يجادل بروكس بأنّ تقنيات تجريبية ثمينة في القص مثل تلك التي اكتسبها جيمس في فرنسا، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في تسميته ليس روائيا "انطباعيا"، وإنما "تعبيريا"، ويعطي بروكس التعريف المقترح والمتخصّص على أنه: "الجهد لجعل منتوج السطح شيئا مختلفا تماما عن السطح". ووفقا لذلك، فإن فلوبير يكون الرقم الصعب ومركز الإثارة بالنسبة إلى جيمس.
إن معالجة بروكس لموقف جيمس نحو أعمال فلوبير، حادّ ومهمّ، فاحترام جيمس المخلوط بالعداوة لفلوبير أوجد تعليقات حرجة على مرّ السنين، يقفز أحدها على الفور من تعليقات ادموند ويلسون في مقالته عن جيمس في "المفكرون الثلاثة" (1938)، وفي الوقت نفسه فإن جيمس دائما اتهم باطلا بالإخفاق في فهم مبادئ فلوبير الكتابية وطرقه. ويعترف بروكس بأنه يحس بأن جيمس كان محبطا من فلوبير لرفضه الاندراج في طريقة جيمس في كتابة رواية الوعي.
لقد امتلك جيمس تقديرا عاليا لفلوبير كصاحب أسلوب وكفنان كرس حياته لحرفته؛ لكنّه اعتقد أيضا بأنّ قصته كُسِرت من قبل ما دعاه "العيب أو الخلل" في رأيه، وهو يعتقد بأن الشخوص التي تمتلك ذكاء محدودا وعواطف سطحية، مثل إيما بوفاري، وفريدريك بورييه كانت كافية لتحمّل عبء قصصه ذات القيمة الأخلاقية.
إن ما يحاول بلوغه بروكس هو أن جيمس لم يخفق في فهم مبادئ فلوبير، وبالاعتماد على عمله على جيمس و فلوبير في كتابه السابق "رؤية واقعية" (2005)، يعكس بروكس هذا الطرح المألوف والحرج بنجاح، وذلك من خلال اقتراح بأنّ كره جيمس برّر فهمه لمبادئ فلوبير، ومن ذلك تعليقه على "Bouvard et Pecuchet"، بأنها قصة بلا حافز، و"عملية تصميمية"، استغرقت طرق فلوبير الوصفية، وأنها كانت "هدّامة بشكل كبير لمشروعه الخاص في الرواية".
إن جميع الميول التحليلية النفسية لنقد بروكس، تعتمد على قراءة جيمس النقدية للأشكال المختلفة عند فلوبير:
الأمر الأول، تمييزه بين "العملية التصميمية" الموجودة في طرق فلوبير الوصفية، وبين تقنيات "الرمزية العالية" لجيمس، والدعوة إلى مقارنتهما بمفهوم جيمس وودز بـ "الواقعية الهستيرية" في القصة المعاصرة. إن وودز يجد القليل من القيمة الأخلاقية والدلالة في المعلومات المتخمة، وفي التعيلم الغريب الذي تم تقديمه مثلا من قبل روائي مثل توماس بينكون.
إن موقف وودز من بينكون مشابه وعلى نحو مدهش لما يقتنع به بروكس من موقف جيمس نحو "Bouvard et Pecuchet".
أما الأمر الثاني، فهو انطباع بروكس بأن جيمس اعتقد بأن أدب فلوبير كشف عن "قلة احترام للحياة، وقلة سعة القصة لتمثيل الحياة"، والتي تبدو لتصوّر جيمس كما لو أنه مؤمن بـ "الليفايسايتية"(1).
تقييم بروكس دقيق، فقلق جيمس الدائم في نقده الأدبي، والطريقة التي يتعامل فيها مع أي تجربة تعترضه خلال الرواية، وعدم قناعته النسبية بأهمية المهارة الأسلوبية الفنية وحدها، كانت بشكل واضح من التأثير العظيم لـ "الليفايسايتية".
في الحقيقة، إن حجّة بروكس، هو أن هذا العمل الذي يقترح رفع جيمس على أرضية التقليد العظيم لـ"الليفايسايتية"، يثبت بأن جيمس كان قادرا على "دمج الدروس النظرية من فلوبير مع رؤية أخلاقية تستدعي تقليدا للرواية، مختلفا كليا، وربما يكون من تأثيرات أسلوب جورج إليوت".
في كتابته مايسي بروكس يأتي جيمس إلى الخاتمة التي تؤكد بأنه بقى ملتزما بتمثيل المعرفة المكتسبة واشتقاق المعنى. على أية حال، نحن قد نستجوب هذه الرؤية من التزام جيمس بالمعرفة.
إن الشروط المتميّزة جدا لتلك الرواية - تلك التي استحضرت بالتمثيل على ما دعاه جيمس "عقل نامي" - يجب أن لا تصرف انتباهنا عن الطريقة التي يتم من خلالها إبراز أمر شديد الأهمية لتوظيف جيمس للوعي العاكس في قصته: ذلك التقبل والإدراك يقيمان أكثر من المعرفة والفهم.
في تقديمه لمايسي، كتب جيمس أن مايسي "يرى" - وفي تقديمه لكتب لاحقة استخدم جيمس المفردة نفسها، مثل تقدماته لرولاند مالليت، كريستوفر نيومان، إيزابيل آرشر، وميرتون دينشير - كتابة جيمس كانت ببساطة "تمثيلا للرؤية الساكنة"؛ إن قدر لامبيرت ستريثير، متوافق مع هذه الرؤية، فهو "في كل الأحوال يرى".
إن النوعية الضرورية للوعي العاكس، ثمّ، القدرة على الرؤية المتميّزة جدا، يلغيان أيّ متطلب لـ"الفهم" أو لـ"المعرفة". وهذا يعني أن الحسّاسية للتجربة المعقّدة، قيمتها تتحدد ليس من تحويلها إلى المعرفة أو إلى الفهم، ولكن بالتأكيد، من تقبلها للتجربة نفسها، والتي تصدر عن البراهين المشرقة والواضحة لبعض التأثيرات العاطفية جدا على الوعي العاكس.
إن حسابات بروكس تغطي ما هو تجريبي وتقدمّي في قصص جيمس. ولذلك فقد كان جيمس روائيا راديكاليا بدرجة أكبر مما سمح له بروكس بأن يكون.
إن بروكس أقل حدّة من العديد من الدارسين السابقين لجيمس فيما أسماه في أكثر من مناسبة: العناصر "غير النقية" للقصة الفرنسية. ومع ذلك، فموقف جيمس ما يزال يُقدّم هنا على أنه شيء محرج. لكن وإذا كان أملنا قد خاب من تفضيل جيمس لـ "دروز" على "دوديت" في العام 1876، فنحن ربما نحترم إصراره أيضا على تمسكه بهذا الاعتقاد أمام احتقار دائرة فلوبير، فعناد جيمس كان أكثر أهمية من فكرة بروكس بإنّه "يفقد الأشياء بسهولة".
وأكثر أهميّة من تفضيل "دروز" كان اعترافه في العام 1876، عندما كتب إلى وليام جيمس، بأنه "يتحول إنجليزيا في جميع الأرجاء". إن إيمان جيمس في الثقافة التي أنجبت جورج إليوت كان أكثر من ردّ فعل ضدّ فلوبير وجماعته، فذلك الإيمان كان حيويا ومتجذرا جدا في إحساس جيمس نفسه كروائي ضمن التقليد الانجلو - أميركي.
وفي اعتقادي أن بروكس يستنتج بشكل صحيح بأن جيمس بقي ملتزما بالأهمية والقيمة الأخلاقية في قصصه المتأخّرة؛ لكن فكرته عن جيمس بأنه "يفقد الأشياء بسهولة"، تبخس من أهمية ذلك الالتزام بالنسبة إلى جيمس.
عموما، فإن قراءات بروكس المفصلة لقصص جيمس مقنعة جدا، وتقديراته لـ "الانعطافة" الميلودرامية، في (الأميركي) - الذي كتبه جيمس أثناء سنته في باريس - و"ميلودراما الوعي" التي يراها في (القدر الذهبية)، هي تقديرات منصفة وناجحة، وقد حسنت من كتابته حول جيمس والخيال الميلودرامي.
وفي جميع صفحات كتاب (هنري جيمس يذهب إلى باريس)، يعرض بيتر بروكس موضوعه بحنكة وإشباع، وهي الصفات التي جعلت منه واحدا من أهم الدارسين للقص الواقعي في القرن التاسع عشر، وهو يقدم في هذا الكتاب قيمة استثنائية لجرأة هنري جيمس، وأهميته كروائي.
* ماثيو بيتيرز يعكف الآن على كتابة أطروحة دكتوراة في جامعة كامبردج
حول هنري جيمس.
* ملحق التايمز الأدبي (TLS) - تموز (يوليو) 2007
(1) تنسب الى F.R Leavies الذي وضع نظرية لإبراز ما يعتقده بالأدب الإنجليزي الممتاز.
Mwaffaq001@yahoo.com
كتبها موفق ملكاوي في 12:30 صباحاً ::
الاسم: موفق ملكاوي
