لا يكون كما نشتهي

السبت,كانون الثاني 05, 2008


 

 

بقلم: ميشيكو كاكوتاني

ترجمها عن الانجليزية: موفق ملكاوي

 

مرت ثلاثة عقود تقريبا على نشر فيليب روث روايته الأولى "الكاتب الشبح"، والتي أتبعها بالعديد من الروايات التي تدوّن مغامرات ناثان زوكيرمان، أو الذات الأخرى للكاتب.

في الرواية الأولى كان ناثان ما يزال كاتبا شابا وحالما، ومتلهّفا للتعبد في مذبح الفنّ الراقي، وهو المقتنع بأنّه وجد مثاله في الكاتب المنعزل إي آي لونوف، الذي أسس وجودا هادئا في بيركشايرز، بعيدا صخب المدينة، وبعيدا عن الضجيج الأدبي.

يفكر ناثان: "نقاوة، صفاء، بساطة، وخلوة، كلّ التركيز والتوّهج والأصالة تدّخر للإرهاق الشديد والممجد، والدعوة إلى كشف ما وراء المعرفة. نظرت حولي، وفكرت: هكذا سأعيش".

 

 

في روايات زاكيرمان اللاحقة، نعرف بأن ناثان استمر بإنجاز شهرته الخاصة التي لا تشيه شهرة لونوف على الإطلاق، مع كتاب مخزٍ راج كثيرا،  سبب قطيعة للكاتب مع عائلته ومع ماضيه (وهو غير مختلف عن كتاب السيد روث نفسه "شكوى بورتنوي ")، ليواجه بالتالي الصراع من النتائج غير المحسوبة في فنه.

نحن أيضا عرفنا بأنه وبعد سلسلة من العلاقات السلبية والعدوانية والصاخبة مع عدد كبير من النساء، وتشكيلة كبيرة من المشاكل النفسية والجسدية، جاء ناثان أخيرا ليطوي الوجود المنعزل لـ (لونوف)، فالآن، ولأكثر من عقد، عاش وحيدا في بيت صغير على درب قذر في بيركشابرز، يشاهد عدد قليلا من الناس، ويسمع أخبارا قليلة. أيامه تمضي وهو يعيد الجمل نفسها، ولياليه تمضي في قراءة الأعمال الأدبية العظيمة والنادرة، والتي اكتشفها عندما كان طالبا قبل عقود عدة.

ويعلن ناثان في رواية السيد روث الصادرة في العام 1988: "لم أعد أريد قصّة.. لقد تزوجت من شيوعية.. لقد حصلت على قصتي".

الآن، تأتي الرواية الرثائية الجديدة لفيليب روث "شبح الخروج"، كنوع من النهاية الوداعية لـ "الكاتب الشبح"، فناثان يعود إلى نيويورك لزيارة طبيب، وهناك يجد نفسه وقد أصيب بالإغراء، ضدّ قراره المسبق، بالعودة إلى دوامة الحياة.

وهكذا يوافق على تبديل بيته لمدّة سنة مع كاتبين شابين: جيمي وزوجها بيلي، اللذين يعيشان في شقّة علوية صغيرة، في الجانب الغربي من نيويورك.

وهو يجد نفسه فجأة مغرما بجيمي، ويأمل، رغم جميع العقبات، بأنّ هذه المرأة ذات الثلاثين ربيعا، والتي تنضح بالحيوية، والسعيدة جدا بزواجها، بأنها ستترك زوجها لأجله، وهو الكاتب  السبعيني المشهور بذاتيته، وهو العاجز الذي أجرى عملية البروستات بنجاح.

وهو أيضا التقى بعشيقة لونوف السابقة أيمي بيلليتو، ليكتشف أن الشابّة الجميلة التي لمحها في "الكاتب الشبح" هي الآن عاجزة، وتتعافى من جراحة في الدماغ.

ومن هذه الخيوط، يخلق روث الكآبة، والتي يصدف أن تكون مضحكة أحيانا، ويتأمل الشيخوخة والفناء والوحدة، والخسارات التي تأتي مع مرور الوقت، وهي نفسها المواضيع التي حاول معالجتها في روايته السطحية "كل رجل" - 2006، وروايته الأخرى التافهة "الحيوان المحتضر" - 2001.

وبالمقارنة مع ثلاثيته المهمة لأدب ما بعد الحرب ("رعوية أمريكية"، "تزوجت  شيوعية"، و"وصمة الانسانية")، والتي يتجلى فيها روث بطرحه الجرئ لبراءة النموذج الأميركي المتحرر من الوهم، فإن هذا الصوت يعتبر بسيطا، لكنّه محسوب في الدلالات العاطفية الصادقة، والتي تفتقر إليها "كل رجل" و "الحيوان المحتضر". وهو أيضا مفتقد في كتب زاكرمان، فهو يزودنا بصورة محزنة لقصة ناثان، ويضع نقطة في ثنايا رحلته من مثالية الشباب، ولهيب العاطفة، مرورا بمنتصف العمر وتشويشات الكثيرة  وقلقه المشوب بالذنب، وصولا إلى الشيخوخة وتنازلاتها.

وناثان يعتقد بأنه يعتنق حياة الزهد، حيث يقول: "وجدت في خلوتي نوع الحرية التي رغبت فيها طويلا"، ولكنه يعيش في فقاعة رهبانية تفصله عن الاتصال الإنساني، فغالبية أيامه تمضي من دون أن يتحدث مع أحد، باستثناء خادمه. وهو لا يشاهد الأفلام أو التلفزيون، كما أنه لا يمتلك تلفونا خلويا، ولا جهاز فيديو أو مشغّل أقراص دي في دي، أو حتى جهاز حاسوب. إنه ما يزال يعيش في (عصر الآلة الطابعة)، ويدّعي بأنّه لا يعرف شيئا عن الشبكة العالمية للانترنت، وأنه غير مهتم بالإدلاء بصوته في الانتخابات.

يقول: "لقد عاقبت بلادي، كما تم معاقبتي بعدم الخلود إلى المرأة، لقد خسرت معركة عالم الحب".

لقد انجذب إلى جيمي، كما صدم من الذي جرى لإيمي  بيلليتي منذ أن رآها في المرة الأخيرة، ويجد ناثان نفسه يصارع المشاعر التي اعتقد بأنه خلفها وراءه منذ سنوات عديدة، ويختبر "العجز المر لرجل عجوز بائس يموت من أجل أن يصبح كاملا مرة أخرى".

تلقتي قصتا المرأتين في شخص ريتشارد كليمان، عشيق جيمي السابق، الذي يتصادف أنه يعمل الآن على سيرة ذاتية لـ (لونوف)، والتي تريد إيمي أن تعيقها.

إن كليمان هو واحد آخر من تلك الشخصيات المزعجة والملحّة، مثل: ألفين بيبلر في "زاكرمان الطليق"، أو مويشي بيبك في "عملية شايلوك"، ممن وظائفهم تتلخص في مضايقة أبطال روث، فيما يلخص فيه ناثان كل ما يمقته: منافس غير مستحق لمشاعر جيمي، وأديب طفيلي طموح قادم لإسقاط لونوف عن منصته (بكشفه عن قضية سفاح أقارب، يزعم أنها حدثت عندما كان لونوف شابا).

ويمثّل كليمان كذلك الشباب بالنسبة إلى عجز ناثان: فبينما كليمان "ما يزال حديث السن"، بـ "لا فكرة حول كيفية تغير الأشياء بسرعة"، فإن "ناثان يعيش خريف عمره، .. يخسر قدراته، ويخسر السيطرة، ومطرود بشكل مخزي من نفسه، وموصوم بالحرمان وهو يواجه التمرّد العضوي الذي تأسس من معركة الجسد ضد السنوات".

وغير الواضح فقط، هو كيف أن أجندة كليمان متخيلة من قبل ناثان، الذي وهب إيمي بيلليتي ذات مرة السيرة الذاتية الأسطورية لآن فرانك، والذي بدأ بتحويل كلّ حواراته مع جيمي إلى حوار خيالي بين  "هو" و "هي"؛ حوار "لا يقود إلى شيء، لا يلطف شيئا، ولا يحقق شيئا"، وفوق كل ذلك "بدا ضروريا جدا للكتابة".

هذه بالطبع عادة ناثان زاكرمان بشكل مستمر لتعقيد حياته على الورق، بينما يستمر بالاعتراض على القرّاء الذين يشوشون الحقيقة والأدب والحياة والفن.

وكالمعتاد، فإن ناثان يتوقّع سؤال القارئ: "لكن، ألا يكفي النصيب الفظيع للألم الفردي من دون التضخيم الخيالي، ومن دون منح الأشياء تكثيفا عابرا في الحياة، وقد يكون غير مرئي أحيانا؟".

جوابه: "ليس لبعضهم. وللقليل مهم جدا، فذلك التضخيم يستخرج الحيرة من لا شيء، ويشكّل ضمانتهم الوحيدة في الحياة التي تجيء محيرة للأغلبية".

 

 

النيويورك تايمز- 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2007

 

 

Mwaffaq001@yahoo.com



في10,كانون الثاني,2008  -  02:17 مساءً, محمد صبيح كتبها ...

تحياتي للشاعر والمثقف الجميل نصا وشخصا اتمنى ان اراك قريبا في الزرقاء ، دم باهيا

في11,كانون الثاني,2008  -  12:25 صباحاً, عامر ملكاوي كتبها ...

العزيز الاستاذ كوفق ملكاوي: لا أدري مالذي جعلني التفت إلى اسم مدونتك دون أي شيء آخر عندما زرتها هذه المرة.

لا يكون كما نشتهي ... قبل زمن ليس بالكثير كتبت العبارة التالية : كل شيء يكذب ... هل هناك ما تشترك به العبارتان؟ ربما ...


كن بخير

في15,كانون الثاني,2008  -  05:34 مساءً, عامر ملكاوي كتبها ...

عفوا موفق

في15,شباط,2008  -  11:12 صباحاً, يوسف ضمرة كتبها ...

مرحبا

أنا بحب ترجماتك وانت تعرف ذلك. لكني من زمان لم أقرأ لك شعرا. لديك الكثير من القصائد. دعنا نلق نظرة ولو عابرة. حرام عليك .. حرام في حق نفسك قبل الآخرين

تحياتي في انتظار الشعر